• Arab Ladies Newspaper

سميرة مبيّض : العمل السياسي والتأثير المجتمعي يترافق بطبيعة الانسان وطبيعة نشأته ومسار حياته


دائما ما كان أسم د. سميرة مبيّض يتصدر الواجهة السياسية والمجتمعية والشخصيات النسائية العامة السورية ، ولكن على الجهة الأخرى من هي هذه السيدة التي نذرت نفسها لخدمة القضايا العامة واختارت الدخول الى المعترك السياسي برغم كل الطرق الشائكة التي طغت على الواجهة السياسية في السنوات الماضية .

أيضا ماهي نظرتها الى دور المرأة العربية والسورية في الفترة القادمة وهل يمكن أن يكون هناك دور حقيقي للأكاديميات والسياسيات السوريات في صنع مستقبل سوريا بعد الحرب ، سيدات العرب التقت الدكتورة سميرة مبيّض في باريس وكان معها هذا الحوار .


سنبدأ معكِ من وضع المرأة العربية بشكل عام والمرأة السورية بشكل خاص في مجالات العمل السياسي والتأثير الإجتماعي ، كيف تقيّمين وضع المرأة اليوم باعتبارك من الشخصيات صاحبة الحضور القوي في مجالات العمل السياسي والمجتمعي ؟

اعتقد أن وضع المرأة العربية عموما والمرأة السورية بشكل خاص لازال هامشيا في مجالات العمل السياسي والتأثير الاجتماعي، ولا زالت السيدات يعتمدن على فرض وجودهن ومشاركتهن التي لم تصبح، لغاية اليوم للأسف، مشاركة طبيعية تنبثق من داخل المجتمع العربي رغم احتياجاته الهامة في تطوير مشاركة نصف المجتمع في كافة مواقع التأثير واتخاذ القرار. بل تبدو هذه المشاركات عموما كإضافات تتم في اللحظات الاخيرة لإظهار وجود السيدات لكن دون اتاحة الفرصة لوجود أثر فاعل لهن.

وما نسعى له اليوم هو ان يصبح وجود السيدات ومشاركتهن الفاعلة جزء أصيل من اَي تحرك سياسي واجتماعي من منطلق التمثيل المنطقي والاخذ بعين الاعتبار لكافة شرائح المجتمع وعدم تجاوز المرأة التي تعد مرتكز أساسي لنهوض المجتمع عبر دورها الحيوي كمؤسس للاجيال الجديدة وبكونها ناقل اصطفائي قادر على التصدي لكثير من عوامل الجمود والتقهقر المجتمعي.


اخترتِ في مسيرتكِ المهنية الطريق الأصعب وهو الدخول في معترك السياسة والتأثير المجتمعي للوصول الىأهدافكِ والمساهمة في نهضة بلدكِ، ما الذي دفعكِ الى اختيار هذا الطريق ؟

اعتقد ان طريق العمل السياسي والتأثير المجتمعي يترافق بطبيعة الانسان وطبيعة نشأته ومسار حياته، وأعيد مسيرتي اليوم في العمل السياسي الى نشأتي ضمن عائلة تأثرت بشكل مباشر بغياب العدالة في سوريا وشهدت تغييب عدد من آفرادها على خلفية مواقف سياسية لذلك لا أرى أن الأمر اختيار بقدر ما هو مسار حياة حتى أنه أثر بدوره على اختياراتي في مفترقات أخرى عديدة.


فالمرتكز في توجهي نحو السياسة والتأثير المجتمعي ليس ايديولوجي، حزبي أو قومي أو مذهبي، بل من منطلق السعي لتحقيق العدالة والنهوض بالمجتمع وهو أمر أؤمن بإمكانيته على الصعيد الإنساني عموما وعلى صعيدسوريا بشكل خاص، فرغم طول المدة التي رزح فيها الشعب السوري تحت الجمود القسري على الصعدالاجتماعية، الاقتصادية والسياسية لكنه نهض في مسار التطور الإنساني الطبيعي مطالبا بالحقوق الاساسية وحرية التعبير والفكر والازدهار والاستقرار والتنمية والعدالة، وكان وقوفي لدعم هذا الحراك بكافة السبل بديهيا للمساهمة في نهضة سوريا وتفادي استمرار هذا التقهقر والوقوف بوجه اعادة توليد مرحلة جديدة تسودها الفتنةوالسعي للانتقام ومحاولة الدفع بالمسار بالاتجاه السليم.



ألم يكن لديكِ تخوف من هذه المغامرة خاصة بأن المجتمعات العربية لا زالت غير متقبلة لفكرة دور المرأة القيادي ؟

لا اعتبر عملي في الشأن السياسي مغامرة، بل هي منهج تفكير يفرض وجوده على مسار الحياة العملية، وشعور بالمسؤولية تجاه المصلحة العامة الإنسانية من جهة ومصلحة السوريين من جهة ثانية، مع اعتقادي بارتباطهما الوثيق، فكان توجهي الطبيعي نحو ابداء الرأي العام والمساهمة في تحليل وبناء مفاهيم وتوجهات فكرية متقدمة.

كما أنني اعتقد أن أهم سبل النهوض بالمجتمعات العربية هي بتغيير الدور المحدد للمرأة ضمن الحياة العامة والسياسية ومواقع اتخاذ القرار، من دور المتلقي لمختلف النماذج الأيديولوجية التي تتجاذب ضمن المجتمعات العربية الى دورها الحقيقي المؤثر كناقل اصطفائي بين الأجيال وعامل رئيسي لتقدم شعوب المنطقة وانفتاحها، هذا الدور الذي تم تجميده عموما بفعل السياق السياسي والاجتماعي والفكري المهيمن على المنطقة والذي انعزل طويلا عن الحداثة والتقدم الإنساني الطبيعي المواكب لتقدم البشرية جمعاء وتطور السبل والأدوات المعرفية المعاصرة.


أنتِ على احتكاك مع المنظمات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة المعنية بشؤون المرأة، ماهي نظرتكِ للمستقبلالخاص بالنهضة النسائية ودورها القيادي في العالم العربي؟

اعتقد ان المسار الذي تنتهجه المنظمات الدولية المعنية بشؤون المرأة يسعى بجهد حثيث لتحقيق النهضة النسائية في العالم العربي لكنه يستخدم مفاتيح عامة في حين أن المجتمع العربي متعدد الثقافات والنهوض بالمرأة العربية يتطلب العمل بمنطلقات وأهداف محلية تنبثق من ركائز النهضة النسائية المحددة في كل نطاق مكاني وزماني والتي تتغير باستمرار بحسب الظروف المحيطة. لتصب في مسار واحد هو انهاء الجمود المجتمعي النابذ لوجود أي دور فاعل للمرأة ويتطلب ذلك العمل على نهوض متكامل سياسي، اقتصادي، اجتماعي حقوقي متضمنا مراجعات عميقة للثقافة المكتسبة من العادات والتقاليد والثقافات الدينية المتعلقة بهذا السياق.


وكذلك العمل على تغيير نظرة المجتمع ليكون دور المرأة ضمنه سياق طبيعي لا يجده كثيرون، منهم النساء، هجيناً أو مفروضاً وذلك عبر التفاعل التعليمي مع الأجيال الجديدة بشكل خاص لتأهيل شابات وسيدات لا تحجمن عن الدخول بمعترك الشأن العام والحياة السياسية وتأهيل شباب ورجال لا يحملون حكماً مسبق رافض لوجود المرأة في موقع ندي أو قيادي.


دائما ما كان أسم د. سميرة مبيض يتصدر الواجهة السياسية والمجتمعية والشخصيات العامة، لكن إذا أردناالتعرف عليكِ من الجانب الأخر، حدثينا عنكِ من هي سميرة مبيض، البدايات، النشأة الدراسة والطموح؟

نشأت في حي القصاع في دمشق، ابنة الجيل الرابع لعائلة وفدت الى دمشق من لواء اسكندرون في الثلاثينات من القرن العشرين، عائلة تأثرت منذ بداية السبعينات ولغاية اليوم بشكل مباشر بالاستبداد وبغياب العدالة في سوريا مما جعلني أعي مُبكرا مقدار الظلم الذي حل بالسوريين وأسبابه ونتائجه وكان اصطفافي لجهة دعم العدالة بديهي.


اعتقد أن الصفة الملازمة لنشأتي هي سعة الاطلاع واستقلالية الفكر والقرار في جميع منعطفات الحياة، ومن ضمنها اختياري للانتقال لمجال الدراسة في علم الحياة بعد أن بدأت دراسة جامعية في فرع آخر هو الهندسة المدنية وربما يكون هذا الاختيار جزءاً من سعيي للاقتراب من جوهر الحقائق وعلم الروابط والمسببات، وبعد انهائي الدراسة الجامعية ومن ثم الدراسات العليا تقدمت للعمل كعضو هيئة تدريسية في جامعة دمشق باختصاص البيئة وأُوفدت الى فرنسا حيث أنهيت شهادتي الماجستير في الهندسة البيئية والدكتوراه في إدارة التنوع الحيوي وحركية النظم البيئية وكان طموحي كأكاديمية هو تطوير المعرفة ونقلها للسوريين بتوافق كامل مع قناعاتي بأن أحد أهم وسائل نهوض سوريا هي بالنهوض العلمي والفكري، لكن عودتي الى دمشق جوبهت بمعيقات كثيرة قررت على اثرها العودة الى باريس والبدء من الصفر كمعظم السوريين الذين اضطروا لمغادرة أرضهم وأعمالهم، مواكبة في الحين نفسه عمق الحراك السياسي والاجتماعي السوري مما حدا بي لاحقاً للبدء بأطروحة دكتوراه ثانية في العلوم الإنسانية في مقاربة وثيقة بالشأن السوري على امل أن تكون خطوة علمية على الصعيد الإنساني عموماً والسوري خصوصاً لتفادي جميع أساليب القمع التي استخدمت لعقود لتجميد تطور المجتمع السوري.



هل تعتبرين بأنكِ وصلتي الى ما تطمحين اليه، وهل أنتِ راضية عن مسيرتكِ المهنية الى اليوم؟ ماهي أهدافكِ المستقبلية على المستوى المهني؟

ككثير من السوريات والسوريين تعرضت مسيرتي المهنية للمعيقات نتيجة الظروف التي مرت وتمر بها سوريا، لكنني رغم الصعوبات حققت جزءاً من طموحي المهني على صعيد الإنجاز العلمي وأسعى أن يكون هذا المسار المهني أقرب للشأن السوري لأكون على تناغم بين الهدف العام الذي أعمل له من أجل التقدم والتطور الإنساني في سوريا وبين الأهداف المرحلية المهنية عبر العمل على الدراسات التي تعالج بالعمق أسباب الجمود والتقهقر على كافة الصعد ومحاولة تقديم رؤى وآليات عملية تواكب العبور لحقبة جديدة.


مابين دمشق وباريس هناك سنوات من الحياة والحلم ما الذي تعنيه لكِ دمشق وما الذي تعنيه لكِ باريس؟

اعتبر ارتباطي بدمشق هو ارتباط بالجذور وأعتقد أن ارتباط الانسان بجذوره وافتخاره بها هو عامل أساسي لنجاحه في أي مجتمع جديد، على الأخص عندما يكون ابتعاده قسري واجباري، كما انها مدينة تعبر عن إمكانية العيش المشترك بين السوريين بتنوعهم الثقافي، الديني والمناطقي ولتلك الرمزية أهمية كبرى لتاريخ السوريين كما هي لمستقبلهم.


باريس هي المدينة التي منحتني العلم والتعمق في المعرفة واحتضتني مع عائلتي حين لم يعد آمناً علينا العودة الى سوريا. وتتشابه مع دمشق في رمزية احتوائها للتنوع بكافة أطيافه، بالإضافة الى أنها مدينة تحمل ارثاً عميقاً في مجال تحقيق الحريات واحترام الانسان وحقوقه وكيانه مما يزيد من مكانتها لدى من يؤمن بهذه المبادئ والقيم ويسعى لرفعها وتثمينها.


سوريا اليوم بما تمر به من ظروف صعبة وأنتِ من الشخصيات التي أعطت الكثير من عملها وجهدها للنهوض بوطنها ولعب دور إيجابي نحو تقدم بلدها نحو الأفضل، ماهي نظرتكِ المستقبلية لنهوض سوريا من الحرب الطاحنة التي تمر بها؟

يحتاج نهوض سوريا لتضافر عوامل كثيرة كي يصبح واقعاً وقابلاً للتنفيذ، أهمها هو إدراك المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي الى أهمية نهوض سوريا كعامل استقرار للمنطقة ورديف للأمن والسلام في العالم. ومن ثم اتاحة الفرصة للسوريين للبدء بتحقيق هذا النهوض عبر إزالة كافة الأسباب التي تعيق ذلك من توجهات متطرفة، سلطوية سياسية أو أيديولوجية مذهبية أو قومية، والوصول لبيئة حيادية تنبذ الاقتتال والحرب نحو الاستقرار والازدهار وتعطى فيها الأهمية لإعادة بناء الانسان السوري بعد أن أدت العقود الخمس من وطأة القمع والاستبداد ومن ثم سنوات الحرب العديدة الى دماره. أعتقد أن العمل على أجيال المستقبل هو المفتاح للخروج من هذا التقهقر عبر اتاحة المعطيات اللازمة لبناء وعي انساني والتحرر من معظم المغالطات التاريخية، السياسية، الاجتماعية التي نخرت طويلاً في مفاصل المجتمع السوري وأدت لتراجعه وجموده.



كما كل الشخصيات النسائية العامة تتعرضين للكثير من الانتقاد والهجوم الغير منطقي هل تؤلمكِ تلك الانتقادات أم أنكِ تعتبرينها ضريبة العمل المهني العام؟

لا أرى أهمية تذكر لمثل هذه الهجمات على الأخص في كونها لا تحمل أي محتوى نقدي أو فكري وهو المعنى الادبي للنقد البناء. بل هي تعكس نظرة عدوانية سطحية تجاه المرأة عموماً وتجاه المرأة الفاعلة في الشأن العام خصوصاً، بل يدعو ذلك للتفكير في كيفية تحقيق التغيير المجتمعي العميق لمعالجة مثل هذه الظواهر الناتجة عن موروث اجتماعي خاطئ عمَّ في الشرق الأوسط للأسف وكان سبباً من أسباب الجمود والتقهقر ولابد أن تشمل نهضة شعوب المنطقة تقدما في هذا السياق الحيوي ايضا كركيزة هامة من أجل تحقيق التطور المنشود على كافة الصعد.


ماهي المشاريع أو الخطوات التي تقومين بها أو تفكرين بها مستقبلاً لدعم المرأة العربية والمرأة السورية بشكل خاص ؟

تحتاج المرأة السورية الى دعم صوتها سياسيا والى الدفع الإيجابي للنساء للإقدام للعمل بالشأن العام والمساهمة بمستقبل ونهضة سوريا، على الأخص منهن المستقلات بعيدا عن الايديولوجيات التي تتقاسم الساحة السياسية السورية، في هذا السياق تتوجه الخطوات المستقبلية الى الاهتمام بالنساء السوريات أين ما وجدن، في بلدان الشتات والمهجر أو في الداخل السوري ودوّل الجوار لإعطائهن الصوت والمنبر للتعبير عن آرائهن السياسية ورؤيتهن للمستقبل وكيفية تحقيقها وصولا للاستقرار.


ماهي نصيحتك لجميع النساء حول العالم لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم ؟

نصيحتي هي عدم اعتبار طموحاتهن أمور ثانوية مؤجلة امام الصعوبات، بل أن تبقى هدف رئيسي تسعَين لتحقيقه بخطوة كل يوم فالحياة مسار متتالي من النجاح والفشل والصعود والانكسار لا يقف المسار عند أي منها بل يستمر بالتقدم والمحصلة النهائية هي بالمثابرة والعمل الدؤوب والثقة بالنفس وهي ضرورة وركيزة لمواجهة أي محيط نابذ لنجاح المرأة.


والأهم هو عدم التخلي عن المطالبة والوصول لتحقيق دور النساء في المجتمع وإدراك كون ذلك الطريق ليس ممهداً بالورود بل هو طريق يتطلب مواجهة الكثير من المفاهيم الخاطئة وتقويمها ويتطلب خلق حالة تضامن حقيقي بين كافة الجهات والافراد الساعين لدعم المرأة عن قناعة بأهمية دورها الحيوي وبأهمية تفعيله كجزء لا يتجزأ من النهوض المجتمعي.



©2019 by Arab Ladies Newspaper